الدكتور صفد الشمري
استاذ الاعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي بجامعة بغداد
رئيس مؤسسة بغداد للتواصل والاعلام الر قمي
يشهد العالم تحولاً جذرياً نحو البيئة الرقمية، وأصبحت المؤسسات الإعلامية، لاسيما الإذاعة والتلفزيون، تعتمد بشكل كبير على الإنترنت، ومنصات النشر الرقمي، وأنظمة البث المؤتمتة، والحوسبة السحابية، وأدوات الذكاء الاصطناعي.. ومع هذا التحول، برز مفهوم الأمن السيبراني، بعده ضرورة مهنية وأخلاقية وتقنية لحماية البيانات الإعلامية، والمصادر الصحفية، وأنظمة البث والإنتاج، والحسابات الرقمية للمؤسسات، الى جانب حماية الجمهور المتلقي.
يعرف الأمن السيبراني على انه: “مجموعة السياسات والتقنيات والإجراءات التي تهدف إلى حماية الأنظمة الرقمية والشبكات والبيانات من الاختراق أو الهجمات أو الاستخدام غير المشروع”، وفي السياق الإعلامي فهو يعني: “حماية المحتوى الإعلامي والبنية التحتية الرقمية للمؤسسة، من التهديدات الإلكترونية، التي قد تؤثر على المصداقية، والاستمرارية والأمن الوطني”.
أهمية الأمن السيبراني في الإعلام:
- حماية المصداقية الإعلامية: قد يؤدي أي اختراق للمنصة الإعلامية إلى نشر الأخبار الكاذبة أو البيانات المضللة، مما يهز الثقة بالمؤسسة.
- حماية المصادر الصحفية: يتعامل الصحفيون مع مصادر حساسة، وقد يعرضهم تسريب بياناتهم للخطر.
- حماية أنظمة البث: تعتمد القنوات التلفزيونية على أنظمة رقمية للبث؛ وقد يؤدي أي اختراق إلى تعطيل الإرسال أو بث محتوى غير لائق بالمؤسسة او الجمهور.
- حماية البيانات الشخصية للجمهور: تجمع إدارة مواقع إخبارية أو تطبيقات بيانات المستخدمين، الامر الذي قد يعرض تلك البيانات الى المخاطر.
- الأمن الوطني: فقد تستهدف الهجمات السيبرانية وسائل الإعلام، ضمن ما يعرف بالحروب المعلوماتية، على المستوى العام.
التهديدات السيبرانية في الإعلام الرقمي:
- هجمات الاختراق: محاولة الدخول غير المصرح به إلي مواقع الأخبار، وأنظمة البث، والبريد الإلكتروني للمؤسسة الاعلامية، وغير ذلك.
- التصيد الاحتيالي: عبر الرسائل المزيفة، التي تهدف إلى سرقة كلمات المرور ، أو البيانات الحساسة.
- البرمجيات الخبيثة: برامج تُزرع داخل النظام لتخريب البيانات أو سرقتها.
- هجمات حجب الخدمة: ومنها إغراق الموقع بطلبات وهمية لتعطيله.
- اختراق الحسابات على وسائل التواصل الاجتماعي: من قبيل فيسبوك وانستغرام وتيك توك واكس.س
- التلاعب بالمحتوى: مثل استخدام تقنيات التزييف العميق، لنشر المحتويات المزيفة.
الأمن السيبراني في غرف الأخبار الرقمية
أدى التحول الرقمي إلى ظهور ما يعرف بغرف الأخبار الرقمية، التي تعتمد على أنظمة إدارة المحتوى، والتخزين السحابي، والتحرير عن بعد.. ونتيجة لتسارع التحولات الرقمية في المجال الاعلامي، فقد تواجه مجموعة من المخاطر، العمل في غرف الأخبار، ومنها ما ما يكون نتاج ضعف كلمات المرور، ومشاركة الحسابات بين الموظفين، واستخدام شبكات Wi-Fi عامة، الى جانب تحميل الملفات غير الموثوقة.
ويتطلب مواجهة مثل هذه المخاطر، مجموعة من الإجراءات الوقائية، ومنها المصادقة الثنائية، وتشفير البيانات، وتحديث الأنظمة باستمرار، فضلاً عن مواصلة تدريب الفرق الإعلامية وتطوير مهاراتها في مجال مواكبة التحولات الرقمية المتسارعة.
الأمن السيبراني في الإذاعة والتلفزيون
لم يعد البث في الاذاعة والتلفزيون تقليدياً، بل صار يعتمد على أنظمة البث الرقمية، والأرشفة الإلكترونية، وسيرفرات التخزين، ومنصات البث المباشر عبر الإنترنت، الأمر الذي هيأ الفرص لوجود المخاطر، التي تتمحور في امكانية اختراق (سيرفرات) البث، وسرقة المواد قبل العرض، وتسريب الحلقات، الى جانب العبث بالمونتاج.
لقد صار الأمن السيبراني ليس مجرد مسألة تقنية في الاعلام، بل مسؤولية مهنية والتزامات أخلاقية وواجبات قانونية، وهو ما يتطلب من العاملين في المؤسسات الاعلامية، عدم مشاركة كلمات المرور، وحماية خصوصية الضيوف، والتحقق من الروابط قبل فتحها، وعدم نشر المعلومات الشخصية، من دون إذن مسبق، أو مبرر قانوني، أو موضوعي.
وتتجه دول العالم، ضمن الإطار القانوني للأمن السيبراني، إلى تشريع قوانين حماية الفضاء الرقمي، من قبيل: قوانين مكافحة الجرائم المعلوماتية، وحماية البيانات، وتشريعات تنظيم الملكية الفكرية الرقمية.
المهارات السيبرانية في البيئة الاعلامية الرقمية
أولاً: مهارات الوعي السيبراني: وتكون بفهم طبيعة التهديدات الرقمية، إذ يجب أن يمتلك الاعلامي معرفة كاملة بأنواع الهجمات مثل: التصيد الاحتيالي، والهندسة الاجتماعية، والبرمجيات الخبيثة، وهجمات حجب الخدمة، وأن يدرك بان الخطر لا يأتي دائماً من (مخترق) محترف بشكل مباشر، فقد يكون عن طريق رسالة بريد مزيفة، او رابط مختصر غير آمن، أو ملف مرفق غير موثوق.
وان تكون له قابلية التفكير الأمني، فعلى الاعلامي ان يسأل نفسه: ((من من أرسل هذه الرسالة.. ولماذا طُلب مني هذا الإجراء.. وهل هذا الرابط آمن.. وهل هذا الجهاز محمي؟))، ومثل هذه المهارة يمكن ان تحوله من مستخدم سلبي إلى مستخدم واع.
ثانياً: مهارات إدارة الهوية الرقمية: يمتلك الاعلامي حسابات على فيسبوك وانستغرام وتيك توك واكس ويوتيوب، وهو ما يتطلب منه بناء كلمة المرور القوية، بان يتعلم استخدام كلمات المرور الطويلة والمعقدة، وعدم تكرار كلمة المرور بين الحسابات، مع استخدام مدير كلمات المرور.
وان يعمل على تفعيل المصادقة الثنائية، والتحقق بخطوتين في الحسابات المهنية، خاصة حسابات القنوات أو المشاريع الجامعية، والفصل بين الهوية الشخصية والمهنية، وعدم خلط الحساب الشخصي، بالحساب الإعلامي الرسمي، لتجنب الاستهداف، والتشويه والابتزاز.
ثالثاً: مهارات حماية المحتوى الإعلامي: يتعامل الاعلامي مع فيديوهات غير منشورة، ومواد مونتاج، ومقابلات حصرية، وأرشيف رقمي، ويتوجب عليه تعلم آليات حماية المواد قبل النشر، ومنها تخزينها في الأقراص المشفرة، وعدم إرسالها عبر تطبيقات غير آمنة، واستخدام روابط محمية بكلمة مرور.
وهو ما يستوجب فهم التشفير الأساسي، باستخدام تطبيقات المراسلة المشفرة، لحماية المصادر الصحفية، الى جانب حماية الملكية الفكرية، بإضافة العلامات المائية، وحفظ النسخ الأصلية، وفهم حقوق الاستخدام الرقمي.
رابعاً: مهارات التحقق الرقمي المتقدم: تكون هذه المهارة محورية للاعلامي، بان تكون له القدرة على التحقق من الروابط، وعليه قبل فتح أي رابط ان يفحص عنوان URL، والانتباه للأخطاء الإملائية في اسم الموقع.
والتحقق من الفيديوهات والصور، بالبحث العكسي عن الصور، وتحليل مصدر الفيديو، واكتشاف التلاعب البصري، كما ينبغي عليه فهم مخاطر التزييف العميق، وإدراك أن بعض الفيديوهات قد تكون مصنوعة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي:
خامساً: مهارات إدارة الأزمات الرقمية: في حال تعرضت المؤسسة الاعلامية أو نتاجات الاعلامي لإختراق، يجب عليه ان يفهم آليات خطوات الاستجابة الفوري’ بتغيير كلمات المرور، وتسجيل الخروج من جميع الأجهزة، والتواصل مع إدارة المنصة، وإدارة السمعة الرقمية، باصدار بيان توضيحي، وتصحيح المعلومات التي جرى تحريفها، وطمأنة الجمهور، والتوثيق القانوني، بحفظ الأدلة الرقمية، في حال الحاجة إلى متابعة قانونية.
سادساً: مهارات العمل الآمن في غرف الأخبار الرقمية: باستخدام شبكات آمنة، وعدم الدخول إلى الحسابات الرسمية عبر شبكات Wi-Fi العامة، وأجهزة مشتركة غير محمية، وإدارة الصلاحيات، عن طريق محاولة الاجابة عن: ((من يملك حق النشر.. ومن يملك حق التعديل.. ومن يملك حق الحذف؟..))، الى جانب العمل الجماعي الآمن، بعدم مشاركة كلمات المرور عبر تطبيقات الدردشة غير المؤمنة.
سابعاً: مهارات الثقافة القانونية الرقمية: على الاعلامي أن يكون ملماً بقوانين الجرائم المعلوماتية، وقوانين حماية البيانات، وسياسات الخصوصية للمنصات الرقمية، ومتابعة المعايير الدولية التي تصدرها جهات والمنظمات الدولية.
ثامناً: مهارات التفكير الاستراتيجي في الأمن السيبراني: لا ينتظر الإعلامي المحترف الهجوم، بل ينبغي عليه ان يتوقع المخاطر، ويقيّم نقاط الضعف، ويضع السيناريوهات الاستباقية.
فيديوهات ذات صلة:



























