جريدة الصباح: تحقيق: ذو الفقار يوسف
استعان محمد هذه المرة بجهاز الحاسوب وخدمة الإنترنت في منزله، حين قرر أن يخوض غمار التعلم عبر الفضاء الرقمي.. كان يبحث عن أبسط الطرق ليستكشف عالم الصف السادس العلمي، مصرًّا على أن يتقدم رغم الصعوبات.. وبما أن اشتراك المعاهد الخصوصية كان خارج قدراته المالية، وجد في المنصات الرقمية منفذا يضيء دربه الدراسي في الإعدادية، قال محمد بابتسامة ثقة: “هذا البديل أثبت نجاحه”، وهو يتصفح آلاف المنصات التعليمية، متوقفا أمام قنوات الـ”يوتيوب” التي فتحت له أبواب المعرفة بلا حدود.. فبعد عام 2020، انطلق التعليم الرقمي في العراق كرد فعل لجائحة كورونا، لكنه سرعان ما أصبح نقطة تحول في وعي المؤسسات التعليمية والمجتمع بأهمية التحول الرقمي.

كسر الحاجز
رئيس مؤسسة بغداد للتواصل والاعلام الرقمي، الدكتور صفد الشمري يقول لـ”الصباح” إن “التجربة كسرت الحاجز النفسي بين الطالب والتقنية، ودفعت المدارس والجامعات إلى استخدام أدوات رقمية غير مألوفة، رغم ضعف البنية التحتية والتأهيل التربوي. ومع ذلك، ساهم التعليم الرقمي في وضع أساس معرفي ومهّد الطريق لتفكير تربوي رقمي جديد، رغم الحاجة إلى تنظيمه”.
ويصف الشمري التعليم الإلكتروني في العراق بأنه تجربة شبه مؤسسية، لم تترسخ بعد في النظام التربوي. غياب التشريعات، وضعف التمويل، وقلة الكفاءات الرقمية تحد من دمج التعليم الرقمي بشكل مستدام، رغم محاولات بعض المؤسسات لتطوير منصاتها التعليمية، مبينا أن “تأثير التعليم الرقمي على جودة التعليم ثنائي، فقد أتاح فرصاً أكبر للوصول إلى مصادر التعلم الحديثة وعزز مهارات البحث الذاتي، لكنه أنتج فجوة رقمية بين المحافظات وبيئات مختلفة، كما أثر غياب الرقابة والتدريب في التفاعل ومستوى التقييم”.
وفي ما يخص المدرس الخصوصي، يشير الشمري الى أن “التعليم الرقمي لم يلغِ الحاجة إليه، لكنّه أعاد تعريفها، إذ انتقل العديد من المدرسين إلى المنصات الرقمية، ما جعل الأدوات أكثر مرونة وأحياناً أقل تكلفة، مع استمرار الطلب على الدعم الفردي”، داعيا إلى “إنشاء هيئة وطنية لاعتماد التعليم الرقمي ترتبط بوزارتي التربية والتعليم العالي، لضمان الالتزام بالمعايير التربوية وبناء بيئة تعليمية رقمية مسؤولة بدلاً من فوضى الدروس المفتوحة”.
تعليمٌ منظم.. نتائج مقبولة
ويرى الشمري أن “الدروس الرقمية امتداد عصري للدروس الخصوصية، فهي تسمح بالوصول لجمهور أوسع والمقارنة بين المناهج، لكنها تحتاج إلى تنظيم قانوني وتربوي لضمان جودة المحتوى وحماية حقوق الأطراف”.
وبالنسبة للتحصيل الدراسي، يشير الشمري إلى أن “النتائج مرتبطة بإشراف المؤسسة التعليمية على المنصة؛ فالتعليم المنظم يعطي نتائج مقبولة، بينما تظهر الفجوات في الحالات غير المنظمة، خصوصاً في المراحل المبكرة، مما يستدعي قاعدة بيانات وطنية لمتابعة أثر التعليم الرقمي بشكل دوري”.
ويخلص الشمري إلى أن “ضبط جودة التعليم الرقمي لا يكون بالمنع، بل بالحوكمة، عبر سن تشريعات تنظم التعليم الأهلي والخاص، ووضع معايير للمحتوى والمدربين وآليات التقييم، وإنشاء هيئة وطنية لمراقبة التزام المنصات بالمعايير التربوية والأخلاقية، لضمان بيئة رقمية تعليمية مسؤولة ومنظمة”.

الخصوصي تحت مجهر التربية
المتحدث الرسمي باسم وزارة التربية، كريم السيد، يؤكد ان “الوزارة منحت تراخيص رسمية لعدد من المنصات الرقمية التعليمية، من بينها المدرسة الإلكترونية ومنصة نيوتن، إضافة إلى قسم التعليم عن بُعد في التلفزيون التربوي، الذي – بحسب قوله – يتولى إدارة ومتابعة جميع تفاصيل التعليم الرقمي وتنظيمه”.
وأوضح السيد في حديثه لـ”الصباح” أن “وزارة التربية وضعت تعليمات وضوابط خاصة تنظيم عمل هذه المنصات وتتابع أداءها بشكل دوري”، مشيراً إلى أن “الوزارة تدرس مخرجاتها التعليمية بصورة مستمرة لضمان تحقيق أهدافها التربوية”، مبينا أن “الغرض الأساسي من هذه المنصات، هو الحد من ظاهرة الدروس الخصوصية وتوفير المعلومة التعليمية للطلبة عن بُعد، خصوصاً لطلبة الدراسة الخارجية والانتساب الذين يعتمدون على هذا النمط من التعليم للحصول على المحتوى الدراسي”.
رقمنة المناهج الدراسية
وخلال حديثه، كشف السيد أن “التعليم الإلكتروني والتعليم التقليدي يُعدّان اليوم أسلوبين متكاملين ضمن منظومة الوزارة”، موضحاً أن “تجربة جائحة كورونا دفعت الوزارة إلى تبنّي التعليم عن بُعد بشكل فعّال، وأنها استمرت في تطويره يوماً بعد آخر بعد انتهاء الجائحة”.
كما أشار إلى أن “وزارة التربية تعمل حالياً على رقمنة المناهج الدراسية وتطوير الأدوات التعليمية، في إطار خطة للتحول التدريجي نحو التعليم الرقمي”، مؤكداً أن “الانتقال لا يمكن أن يتم بشكل مباشر دون مراجعة الأصول والقوانين والأنظمة التربوية التي تضبط هذا التحول”.
واختتم المتحدث تصريحه بـ”التأكيد على أن الوزارة مستمرة في نهجها نحو التعليم الرقمي بخطوات مدروسة ومتزنة، وأنها تسعى إلى بناء تجربة تعليمية حديثة تجمع بين المرونة الرقمية والالتزام الأكاديمي بما يحقق مصلحة الطالب والمنظومة التربوية في آنٍ واحد”.

الادوار تغيّرت
يؤكد الدكتور عدّي عبد شمخي وهو أستاذ فلسفة في التربية وعلم النفس إلى أن “مستقبل التعليم يتجه نحو نموذج هجين يجمع بين التعليم الحضوري والرقمي”، مضيفا أن “المعلم يظل محور العملية التعليمية، بينما تساعد التكنولوجيا في التشخيص والتقييم والمتابعة، وأن الدروس الرقمية المنظمة ستزداد للفئات التي تحتاج دعمًا إضافيًا تحت إشراف تربوي يضمن العدالة والجودة”.
ويشير عبد شمخي لـ”الصباح”، إلى أن “التعليم الرقمي لم يقلل من أهمية المدرس بل غيّر دوره”، موضحا أن “الطلبة ما زالوا بحاجة إلى التفاعل الإنساني المباشر، وان طرقًا مرنة مثل الحصص عبر الإنترنت أو الدروس القصيرة المسجلة تحول التعليم الخصوصي من الشكل التقليدي إلى شكل رقمي أكثر تنوعًا وسهولة، مع التركيز على مجموعات صغيرة وجلسات كافية من 12 إلى 15 ساعة لضمان الجودة”.
ضمان جودة التعليم
ويبين شمخي أن “الدروس الرقمية امتداد طبيعي للتدريس الخصوصي، وأنها تساعد الطالب على الفهم والتقدم، وتوفر التعلم من أي مكان وأدوات تفاعلية لقياس المستوى بدقة”، لافتا إلى أن “فعاليتها تعتمد على جودة المدرس وطريقة تقديم المادة، وأن الدراسات أظهرت نتائج متباينة حول تأثير الدروس الرقمية على التحصيل، فبعضها وجد انخفاضًا لدى الطلبة الذين يفتقرون إلى بيئة مناسبة أو دعم أسري، بينما أظهرت أخرى تحسنًا إذا كانت الدروس منظمة وتفاعلية وتحت إشراف مؤهلين”.
وتابع أن “ضمان جودة التعليم في المنصات الرقمية يتطلب منح تراخيص رسمية، والتأكد من كفاءة المدرسين، ووضع آليات متابعة وشكاوى، وربط الدروس بالمناهج، واستعمال أدوات متابعة مشتركة مع المدارس والأهالي”، مشيرا إلى “إمكانية الاعتراف بالتعليم الرقمي الموازي قانونيًا مع وضع ضوابط للتسجيل والرقابة ومعايير لاختيار المدرسين والمحتوى وحماية بيانات الطلبة، مع توفير فرص متساوية للجميع، حيث أن ذلك يسمح بالاستفادة من التطور التقني ضمن نظام تربوي منضبط وآمن دون خصخصة غير منضبطة”.
مواكبةٌ متأخرة
أما الخبير الاقتصادي دريد شاكر العنزي فيشير إلى أن “الرقمنة في العراق لم تُؤخذ بعد كعلم مستقل أو كأداة اقتصادية حقيقية، بل تم التعامل معها على أنها مجرد موضوع شكلي ضمن المواضيع الأخرى، مع اعتمادها رسمياً ومتابعتها ودعايتها، لكنها لم تعكس الواقع الفعلي أو الحالة الاقتصادية والاجتماعية للمواطن العراقي”، موضحا أن “تطبيق الرقمنة اقتصر على فئات محدودة وفي أماكن معينة، بحيث لم تمثل سوى أقل من عشرة بالمئة من المجتمع، بينما استمرت البقية على الآليات التقليدية، مما خلق انقسامات واضحة في مجالات الأمن والخدمات الاقتصادية بين الرسمي والمعاش اليومي للمواطن”.
ويضيف العنزي لـ”الصباح” أن “الرقمنة لم تُدرج في البرامج التعليمية الرسمية، سواء في الجامعات أو المعاهد التكنولوجية، ولم تُعد لها برامج تدريبية متكاملة أو دورات تعليمية عبر القنوات الرسمية”، مؤكداً أن “معظم المؤسسات التعليمية لم تواكب التطور الرقمي، وأن التدريس الخاص القائم على التكنولوجيا محدود جداً ولا يغطي الاحتياجات الأساسية للطلاب والشباب”.
تشريعاتٌ واضحة
ويؤكد العنزي أن “الرقمنة لا تزال مضافة على العلوم الأخرى وليست جزءاً أصيلاً منها، وأن التجربة الرقمية في العراق لم تتكامل بعد، رغم وجود أجهزة حديثة وبرامج قديمة في بعض المؤسسات”، مؤكداً أن “المواطن العراقي، سواء كان طفلاً أو شاباً، يحتاج إلى تعليم مستمر على استخدام التكنولوجيا الحديثة، لكن غياب برنامج حكومي متكامل يحول دون ذلك”، مقترحا “اعتماد نظام باركود موحد لكل المواطنين يحتوي على جميع المعلومات الشخصية والتعليمية والخدمية، ليصبح أداة متكاملة لإدارة الحقوق والواجبات بشكل دقيق وشفاف”.
ويتابع العنزي أن “غياب تشريع واضح وبرنامج حكومي متكامل يجعل تطبيق الرقمنة صعباً ويترك فجوات كبيرة بين المواطن والدولة”، مشدداً على أن “إدخال الرقمنة لا يعني إلغاء النظام القديم، بل يجب أن يُكمل ويعزز الإدارة الحديثة دون تشتيت المجتمع أو خلق أعباء إضافية على المواطنين”.




























