الدكتور صفد الشمري
رئيس مؤسسة بغداد للتواصل والاعلام الرقمي
أحدثت التطورات التقنية أثرها في عمل الحكومات التقليدية، فيما يعرف بالثورة الصناعية الرابعة، بعدّها ثورة رقمية تمزج بين التكنولوجيات المتعددة، وبين إعادة هيكلة الحدود بين المجالات المادية والرقمية والحيوية، إذ ستمكّن تلك التقانات المواطنين الاعتياديين من التفاعل مع مؤسسات الحكومات بصورة كبيرة، والتعبير عن آرائهم وتنسيق جهودهم، وتؤثر حتى في طرائق الإشراف على السلطات العامة.
وعلى الرغم من حرص أغلب دول العالم على التعامل مع نظم الإدارات الإلكترونية المتعددة، وبما يفضي إلى تنظيم قواعد البيانات الحكومية، ومنه ما يرتبط بالإفصاح الإلكتروني، بعدّه الركن الأساس للشفافية الحكومية اليوم، إلا ان هناك العديد منها ما زال يواجه تحديات مرتبطة بعوامل وسياقات متعددة، من قبيل:
- محدودية الموارد.
- نقص البنية التحية الرقمية.
- عدم كفاية القدرات.
- الإدماج الرقمي.
- الفهم الصحيح للإدارة الإلكترونية.
- رؤى الخصوصية.
- الأمن السيبراني للبيانات الحساسة.
بيانات الحكومة المفتوحة
ينبثق الاهتمام الدولي بالإدارات الإلكترونية، مع الاتجاهات الناشئة في البيانات الحكومية، والتحديات المتزايدة التي أحدثت نقلة نوعية دفعت الحكومات إلى الإفادة من حوكمة البيانات، واستراتيجيات الحكومة الالكترونية، التي تركز على البيانات بذاتها، كأساس لتوليد القيمة العامة بطرق مبتكرة.
ووفقاً لمسح الأمم المتحدة الدولي، زاد عدد الدول التي أقامت بوابات بيانات الحكومة المفتوحة بشكل ملحوظ، وارتفعت من (46) دولة، بنسبة (24%)، إلى ما مجموعه (153)، بنسبة (80%)، وكانت هناك زيادات في الميزات المرتبطة أيضاً.
ومن بين الدول التي شملها المسح الأممي، صارت (59%) منها لديها سياسة بيانات الحكومة المفتوحة، و(62%) عندها بيانات وصفية أو قاموس بيانات، وفيما تقبل ما نسبته (57%) من تلك الدول الطلبات العامة للحصول على البيانات الجديدة، تقدم (52%) منها الإرشادات، حول استخدام الحكومة المفتوحة.
تحديات الادارة الالكترونية
من بين التحديات التي تواجه العديد من الدول في قطاع البيانات، ما يتعلق بالمخاوف الحكومية من تأثير تقانات الذكاء الاصطناعي في أشكال العمل المستقبلية، إذ لابد من التنبّه الى ان معالجة البيانات بهذه التقانات، ومدى ملائمة ما يتم عمله معها، صار الأساس في تحديد سلامتها ونزاهتها.
وعلى سبيل المثال: (ما مدى تمثيل هذه البيانات، وما مدى اختزالها، وما هو الذي لا تخبرنا عنه، من ناحية الأبعاد الاجتماعية والثقافية؟)، إذ تشير تلك التساؤلات إلى المخاوف بشأن ما يتم قياسه وحسابه بوساطة النظم المحوسبة، التي تعتمد على متغيرات قابلة للتحكم بها، ويمكن في واقع الأمر مراقبتها والتلاعب بها.
التحيز القيمي للبيانات
يجب ان تخضع أية محاولة ”لنمذجة العلميات الحكومية“، على أساس البيانات، للجوانب الأساسية حول القيم والتحيز، وإذا كان التشغيل الآلي يعني إتباع مجموعة من القواعد، وهذا ما قد يثير نقاط الخلاف التي تتجسد في:
- ما القواعد التي يجري اتباعها؟
- لمن تعود تلك القواعد؟
- ما القيم والافتراضات التي تعكسها؟
ان أية عملية لصنع قواعد البيانات، لا تكون الخوارزميات مستقلة أو محايدة بالكامل، إذ يقوم شخص ما في وفي مكان معين، بتحديد مجموعة من التعليمات المشفّرة المعقدة والبروتوكولات التي يجري اتباعها بشكل متكرر، وفي عالم المنصات المملوكة، وعمليات التشفير المعقدة، يظل هذا المنطق غير محسوس لغير المختصين، فاستخدام نظام “مؤتمت” يستتبع من دون شك منطق الجهة التي تملكه، بمعنى ان تخضع لقيمه وأفكاره وسياساته، بما يمكن وصفه ببساطة في فكرة:
(IF “X” THEN “Y”?)
تحري الاتمتة
الحساب هنا لا ينظر إليه على انه حساب محايد وخالٍ من القيم، بل ان أي إجراء مبرمج يكون مبنياً على فهم محدد مسبق لماهية كل من (X) و (Y)، وما علاقتهما ببعض، إذ تتشكل مثل هذه التفاهمات عن طريق الأفكار والمبادئ وسياسات المبرمجين والسياقات التي يعملون من أجل تحقيقها.
ومن هنا يجب أن يكون السؤال الرئيس لأي نظام “مؤتمت”:
- هل ان النظام موضع ثقة؟
- ما هي الخيارات والقرارات التي تتم برمجتها كمطلب أساس فيها؟
الاوعية الرقمية والشفافية
تقوم الأوعية الرقمية بدور رئيس في الفعاليات الحكومية المعاصرة، مع تفاوت تأثيرها وفاعليتها من بلد إلى آخر، فالبلدان التي تتميز بقدر أكبر من الحريات الحقيقية، تتمتع بفاعلية أكثر في مجالات الشفافية الحكومية.
وهذا ما يستدعي وصف العلاقة بين حجم الأدوار االرقمية، وبين تأثيرها في الكيانات الحكومية، بسياق عملية بناء النزاهة على مستوى الدولة، ومناقشة طبيعة دورها كطرف فاعل في بناء النزاهة والشفافية.
عوائد الشفافية الحكومية
تقتضي الشفافية الحكومية بوصفها الوضوح في الوظيفة والواجبات والمصادر وسير المعاملات وسبل اداء المسؤول بدوره ووضوح المعطيات والمعلومات بان تكون في متناول الجميع، قيام مؤسسات الدولة، بجميع أنواعها ومستوياتها وسلطاتها، التشريعية والتنفيذية والقضائية، والهيئات المستقلة والحكومات المحلية، بالإفصاح عن أنشطتها المختلفة في التخطيط والتنفيذ.
لاسيما ان السرية التي تكتنف العمل الحكومي تفضي في الغالب الى استشراء الفساد، وتعطي فرصاً أكبر لانحراف واختراق موازنات الدولة والتلاعب بمواردها، لذا يمكن أن تحقق الشفافية مطلبين مرتبطين بالمساءلة والديمقراطية، يتجسدان في:
الأول: وضوح الإجراءات وصحة ومصداقية عرض بيانات ومعلومات المؤسسات، السياسية والاقتصادية والاجتماعية الخاصة والعامة، ووضوح العلاقات فيما بينها، من حيث التخطيط والتمويل والتنفيذ، للوصول الى الغايات والأهداف المعلنة.
الآخر: حق الناس في الوصول إلى المعلومات الصحيحة في الوقت المناسب، النابع من حقهم في المشاركة بصنع القرارات والسياسات العامة.
الشفافية في النظام القانوني العراقي
في العراق.. لم تتضمن المنظومة القانونية قبل العام 2003 الإشارة إلى قيمة أو مبدأ الشفافية، إلا ان النظام القانوني اعتمد مصطلح الشفافية بكثرة في القوانين الصادرة بعد تلك المرحلة، وكان من بينها قانون مفوضية النزاهة الملحق بأمر سلطة الائتلاف (55) لسنة 2014، ومن ثم قانون قانون هيئة النزاهة (30) لسنة 2011.
بيد ان الإشارة الى “حق الاطلاع على المعلومات” وردت بشكل صريح لأول مرة، في قانون حماية الصحفيين (21) لسنة 2011، بإشارة نص المادة الرابعة منه، إلى حق الصحفي في الحصول على المعلومات والأنباء والإحصاءات، وهو ما يفترض أن يعزز من فرص الأفصاح الإلكتروني، على الرغم من القانون قيد هذا بعبارة البيانات “غير المحظورة”، ثم عاد فقيد “حق نشرها” بعبارة “في حدود القانون” من دون تحديد ما هي المحظورة وغير المحظورة، وبيان ما هي “حدود القانون” المشار إليها في هذا النص.
البيانات الالكترونية الحساسة
هناك من البيانات ما يجري منع الإفصاح عنها، لتبويبها ضمن فئة “البيانات الحساسة”، ومنها البيانات التحتية الوطنية، المتمثلة بالعناصر الأساسية للبنة التحتية، من قبيل الأصول والمرافق والنظم والشبكات وحتى العمليات والعاملين الأساسيين الذي يقومون بتشغيلها ومعالجتها.
وقد يؤدي الإفصاح غير المسموح به عنها، أو فقدانها أو تعرضها للانتهاكات إلى مؤثرين اثنين، يتمثلان في:
- وقوع الأثر السلبي الكبير على توافر الخدمات الأساسية، أو تكاملها أو تسليمها، بما في ذلك الخدمات التي يمكن أن تؤدي في حال تعرض سلامتها للخطر، الى خسائر كبيرة في الممتلكات أو الأرواح أو الإصابات، مع مراعاة الآثار الاقتصادية أو الاجتماعية الكبيرة.
- التأثير الكبير في الأمن القومي، أو الدفاع الوطني أو اقتصاد الدولة، أو مقدرتها الوطنية.
مواجهة ازمة الشفافية
ان تحديد المدى الأقصى للإفصاح الإلكتروني عن البيانات عبر الأوعية الرقمية ينبغي ان يرتبط بمبدأ المكاشفة لأقصى حد، وان يكون الأصل في كل البيانات الحكومية هو الكشف عنها، والتمكين من طلبها للضرورة الملحة، ويتعلق بذلك تعريف “البيانات” التي هي محل الإفصاح.
ليشمل جميع أنواع المعلومات والوثائق التي تضع السلطات العامة اليد عليها، وشمول جميع السلطات والهيئات والمؤسسات بالخضوع لمبدأ الإعلان عن معلوماتها على وفق ما يعرف بالإفصاح الإلكتروني، لمواجهة أزمة الشفافية الحكومية في العراق.



























