علاء الطرفي
باحث في الإعلام الرقمي
هل سبق أن فوجئت بإعلان يفرض عليك الانتظار لثلاثين ثانية أثناء تصفحك لموضوع يهمك.. أو تلقيت عروضا لقروض سريعة أو سلع استهلاكية في لحظة تتابع مندمج في عملاً ما على احدى البرامج؟
هذه ليست مصادفة، بل هي “إعلانات مفترسة” تُصمم بخبث لاستغلال حاجاتنا النفسية والمادية عبر خوارزميات ذكية تعرف عنا أكثر مما نعرف عن أنفسنا، انه ابتزاز يجعلنا عرضة لان نكون احد ضحاياها.
ما هي الإعلانات المفترسة؟
ممارسات تسويقية خادعة تستهدف الفئات الضعيفة أو المهمشة (كالعاطلين، وذوي الدخل المحدود، أو المرضى) عبر استغلال حاجاتهم الملحة أو جهلهم التقني، وتعتمد هذه الإعلانات على وعود كاذبة مثل “وظائف برواتب خيالية” أو “علاجات سحرية”، بينما تخفي شروطاً مجحفة أو تكاليف خفية.
تقول عالمة الرياضيات كاثي أونيل CATHY O’NEIL في كتابها “أسلحة التدمير الرياضية” (WMDs)” أينما وجدت مزيجًا من الحاجة الشديدة والجهل، ستجد على الأرجح إعلانات مفترسة. إذا كان الناس قلقين بشأن حياتهم الجنسية، ستعدهم الإعلانات بفياجرا أو سياليس.. إذا كانوا يعانون من نقص المال، ستتدفق عروض القروض ذات الفائدة العالية، إذا كان كمبيوترهم بطيئًا، قد يكون فيروساً زرعه معلن مفترس يعرض إصلاحه.
آلية العمل: بين الخوارزميات والبيانات.
تعتمد هذه الإعلانات على تحليل البيانات الضخمة (Big Data) والتعلم الآلي (Machine Learning) لفهم سلوك المستخدمين فتقوم بالتالي:
– تتعقب الخوارزميات نقراتك، ووقت مشاهدتك للمحتوى، وحتى موقعك الجغرافي.
تُصنف المستخدمين إلى فئات مثل “قلقين ماليًا” أو “مرضى مزمنين” بناءً على بحثهم على شبكة الانترنت.
تبيع منصات مثل فيسبوك وجوجل هذه البيانات للمعلنين، مما يسمح لهم بتوجيه إعلانات مُخصصة للفئات الأكثر ضعفاً.
تقول أونيل في كتابها (WMDs ): وفقًا لتقرير وزارة التعليم الأمريكية (2022)، 75% من خريجي الكليات الربحية عاجزون عن سداد قروضهم. وكمثال صارخ، استهدفت كلية كورينثيان ذوي الدخل المحدود بإعلانات وهمية عن “ضمان توظيف الخريجين”، بينما كانت تفرض رسومًا تصل إلى 68,800 دولار لشهادة عبر الإنترنت، في حين تكلف نفس الشهادة أقل من 10,000 دولار في كليات حكومية.
وبينت احدى المسوحات التي أجرتها لجنة التجارة الفيدرالية حول الاحتيال على المستهلكين في عام 2011، ان عدد المستهلكين الذين وقعوا فريسة لمنتجات إنقاص الوزن المزيفة أكبر من أي احتيال آخر؛ حيث تشير التقديرات إلى أن 2.15% من المستهلكين، أو 5.1 مليون بالغ أمريكي.
وقد وضعت FDA إدارة الغذاء والدواء الفيدرالية الامريكية اساسيات للإعلان عن الادوية للتوعية ضد الإعلانات المضللة والكاذبة (المفترسة) وقد وضحت شروط الإعلانات للشركات وكيفية معرفة المنتجات الحقيقية من قبل المستخدمين.
وقد وضعت لجنة التجارة الفيدرالية الامريكية FTC أساسيات الإعلان والتسويق وبموجب القانون، يجب أن تكون الادعاءات الواردة في الإعلانات صادقة، ولا يمكن أن تكون خادعة أو غير عادلة، ويجب أن تكون مبنية على الأدلة، بالنسبة لبعض المنتجات أو الخدمات المتخصصة، قد يتم تطبيق قواعد إضافية.
في العام 2010 غُرمت العلامة التجارية “أكتيفيا (Activia)” المخصصة لمنتجات الألبان والرايب والزبادي، والتابعة لشركة دانون الفرنسية العملاقة التي تعتبر من أكبر شركات التغذية في العالم، بمبلغ 45 مليون دولار، بسبب إطلاق حملة إعلانية زائفة تحمل شعار ” مثبت سريريا وعلميا” حيث اكدت الشركة ان منتجها يقوم بتنشيط الجهاز المناعي وقادر على المساعدة في تنظيم عملية الهضم، لأنه يحتوي على مكوّنات بكتيرية خاصة مما دفع السلطات الى التأكد من خلال فحص المنتج بان اعلان مزيف وان المنتج لا ينشط الجهاز المناعي ولا ينظم عملية الهضم.
وفي أمريكا غُرمت الحكومة سلسلة متاجر تيسكو بحوالي 300 مليون جنيه استرليني (ما يعادل 432 مليون دولار) بسبب تزيفها لاعلاناتها التي ادعت فيها تيسكو ان شطائر البرغر التي تصنعها من لحوم بقرية ممتازة الامر الذيت تبين لاحقاً انه اعلان مزيف وان تيسكو تقوم بخلط لحوم الاحصنة مع اللحوم البقرية.
هل هناك فوائد؟
رغم خطورتها، ربما يرى البعض أن الإعلانات المُستهدفة قد تكون مفيدة أحيانًا، مثل تمويل الخدمات المجانية كالبريد الإلكتروني أو الشبكات الاجتماعية عبر عوائد الإعلانات اومساعدة الشركات الصغيرة في الوصول للعملاء المناسبين، لكن المخاطر تفوق الفوائد حين تُستغل الأدوات التقنية لاستنزاف الضعفاء!
كيف تحمي نفسك؟
- تحقق من المصدر: ابحث عن اسم الشركة ورقم الترخيص قبل الشراء.
- استخدم أدوات الحماية: مثل برامج حظر التتبع (AdBlock) وتفعيل إعدادات الخصوصية.
- لا تثق بالوعود الخيالية: احذر العروض التي تبدو “جيدة جدًا لدرجة يصعب تصديقها”.
- شارك تجربتك: الإبلاغ عن الإعلانات الاحتيالية يساعد المنصات على حذفها.
